عبد الكريم الخطيب
592
التفسير القرآنى للقرآن
والنبي في حال التقائهما . . إنهما يتجاذبان جذبا قويا . . فجبريل يجذب نفسه إلى حال بشريّة ، والنبي يجذب نفسه إلى جهة الملائكة . وهكذا يظلان يتجاذبان ، وقتا معا ، حتى يتماسا ، كما يتماس وترا القوسين المشدودين ، المواجه كل منهما للآخر ، وهنا يتم اللقاء والتجاوب بينهما . . والعطف بالحرف : « أو » في قوله تعالى : « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » - ليس للشكّ في الحكم الواقع على ما بين القوسين من قرب وتلاحم ، وإنما هو لتأكيد هذا القرب ، وأنه بالنسبة لمن يرونه تختلف عليهم رؤيته ، فيراه بعضهم قاب قوسين ، ويراه بعضهم أدنى وأقرب من ذلك . . وفي قوله تعالى : « فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » إشارة إلى ما يقع في هذا اللقاء بين جبريل والنبي ، وهو أن جبريل يوحى إلى النبىّ ، ما أمره اللّه سبحانه وتعالى بوحيه إليه من آيات اللّه وكلماته . . وفي قوله تعالى : « عبده » بإضافة النبي الكريم - بصفة العبودية إلى ربه - في هذا تكريم للنبي الكريم ، وإضافة له إلى رب العالمين ، الذي ربّاه ، وأحسن إليه ، وعلمه ما لم يكن يعلم . . وفي قوله تعالى : « ما أَوْحى » بتجهيل هذا الذي أوحى إلى النبي - تفخيم لهذا الموحى به ، وأنه مما يجلّ عن الوصف ، ومما لا تحصره الأوصاف . . فقل فيه ما تشاء من أوصاف الكمال والجلال ، فإنك لن تبالغ صفته . .